أرحب بالرئيس جون ماهاما، رئيس غانا، وإليزابيث بوم-شنايدر المستشارة الفيدرالية للاتحاد السويسري، وأشكر الدكتور فيكتور عطا الله لجام، رئيس الجمعية العامة التاسعة والسبعين للمنظمة، والمديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في جنيف تاتيانا فالوفايا.
أشكر أيضاً رئيس سوريا ورئيس وزراء بربادوس والأمين العام على رسائلهم وتقديرهم لمهمة الصحة العالمية، وأتقدم بالشكر للقيادة والحكومة الإسبانية على دعمها ومساندتها في مواجهة التحديات الصحية العالمية وتعاونها مع منظمة الصحة العالمية في سياق العلاقات الدولية وتبادل الخبرات.
تذكّرتُ أثناء الجولة مساهمةً ملموسة من التعاون الدولي عندما انتهينا من إنزال الركاب وإعادتهم إلى أوطانهم بنجاح على متن السفينة التي تواجدت في منطقة العمل المشترك، وأثني على القيادة السياسية وجهود الشركاء في مواجهة مخاطر الصحية المرتبطة بتفشي الأمراض.
بدأت أعمال التحول في المنظمة قبل تسع سنوات، وهو جهد هو الأضخم في تاريخنا، لإعادة هيكلة العمل وتحديثه بما يتوافق مع احتياجات الدول الأعضاء جميعها، وهو مسار يتواصل بتدريج وهو في حالة تطور دائم لتلبية متطلبات الحاضر والمستقبل.
أعلنّا عن تغييرات هيكلية مهمة في حالات الطوارئ، فأطلقنا لأول مرة في تاريخ المنظمة قسمًا علميًا بقيادة كبير العلماء كمنصب تنفيذي موحد لتعزيز العمل المعياري والتقني، وبذلك نركز على ولايتنا الأساسية ونموِّل بناء قدراتنا في هذا المجال الحيوي.
عزّزنا بناء الأدلة وتطوير الحلول من خلال مواءمة التأهيل المسبق للمنتجات الطبية مع المبادئ التوجيهية الحية، فصار التأهيل والاتزان في التوجيهات يعكسان التقدم السريع في الاستخدام الفعّال للمنتجات الصحية التي يحتاجها الناس في أوقات الأزمات.
افتتحنا أكاديمية الصحة العالمية في ليون، فرنسا، وهي تقدم الآن أكثر من 400 دورة تدريبية بـ23 لغة وتصل إلى أكثر من 120,000 متعلم، كما نعتمد في شبكتنا على أكثر من 800 مركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية، لتعزيز المعرفة والمهارات عبر القارات.
أنشأنا مركز بيانات الصحة العالمية ليكون نقطة ارتكاز موحدة للبيانات والتحليلات، ونواصل تطوير بنية تحتية حديثة للبيانات تشمل آليات اكتشاف مدعمة بالذكاء الاصطناعي وتوليد المعرفة من البيانات المتاحة، بما يعزز سرعة الاستفادة واتخاذ القرار.
أنشأنا في المقر الرئيسي قسمًا متخصصًا في قضايا التشغيل البيني للأنظمة الصحية، مع وجود نقاط اتصال في جميع المناطق الست، لتعزيز التنسيق وتوحيد المعايير والربط بين الأنظمة الصحية في الدول الأعضاء.
المجالان الأساسيان التاليان للتحول: كيف أضحت الجائحة درساً مستداماً
كشفت الجائحة عن ثغرات هيكلية في الأمن الصحي العالمي، فركزنا على ستة مجالات رئيسية لتقويتها، منها بناء قدرات أسرع لتحديد التهديدات والاستجابة لها، فأنشأنا مركز منظمة الصحة العالمية للاستخبارات المتعلقة بالأوبئة والجوائح في برلين بدعم من ألمانيا، ليكون قادرًا على رصد المخاطر وتوجيه الجهود بسرعة وبكفاءة.
كشفت أيضاً أوجه عدم المساواة في الوصول إلى أدوات مكافحة الأوبئة، فأنشأنا برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كورونا، بما فيها كوفاكس، ثم شبكة التدابير المؤقتة التي تدعم تشغيل هذه الأدوات وتوزيعها حسب الحاجة والظروف الوطنية.
كشفت الجائحة أيضاً عن أهمية نقل المعرفة والتكنولوجيا، فأنشأنا مركز نقل تكنولوجيا الحمض النووي الريبوزي المرسال في كيب تاون بجنوب إفريقيا ليشارك التكنولوجيا مع مراكز أبحاث في 15 دولة، كما أطلقنا مبادرتنا لتدريب القوى العاملة في التصنيع الحيوي في جمهورية كوريا لدعم بناء القدرات البشرية والتشغيلية في بلدان مختلفة.
ولتعزيز القدرات الوطنية، أنشأنا صندوق مكافحة الأوبئة بالشراكة مع البنك الدولي، حتى الآن صرف 1.4 مليار دولار كمنح لـ128 دولة، وأنشأنا آلية مراجعة الصحة والتأهب الشاملة لتعزيز المساءلة وبناء القدرات الوطنية من خلال مراجعة نظرية عملية شفافة.
ولتحسين التنسيق العالمي لتبادل المواد المسببة للأمراض، أنشأنا BioHub هنا في سويسرا، وهو خطّ تواصل ومركز لتبادل العينات وتوحيد الإجراءات بين الدول والمنظمات المعنية، وقد أسهم حتى الآن في تبادل مئات العينات بما يسهّل العمل البحثي والتنموي على مستوى العالم.
ولتعزيز قدرات القوى العاملة في حالات الطوارئ، أنشأنا فيلق الصحة العالمية للطوارئ الذي أجرى مؤخراً ثاني تمرين محاكاة بمشاركة 600 خبير و25 منظمة شريكة من 26 دولة وإقليم، ما عزز جاهزية الفرق والأنظمة الوطنية في مواجهة الأزمات الصحية.
ولإصلاح إدارة الأمن الصحي العالمي ودمج الجهود في كيان واحد، اعتمدت الدول الأعضاء تعديلات على اللوائح الصحية الدولية، وتبنّي اتفاقية منظمة الصحة العالمية الخاصة بالأوبئة كأداة تاريخية في القانون الصحي الدولي، مع الإعداد الملح لملفات الوصول إلى مسببات الأمراض ونظم تقاسم المنافع لضمان الاستخدام العادل وتوزيع الفوائد.
يتطور المجال الثالث للتحول وهو طريقة تمويل المنظمة، فبدأت فكرة إصلاح التمويل بصورة شاملة منذ سنوات، حيث كانت المساهمات المقررة تمثل نسبة مئوية من الميزانية الأساسية وتزايدت المساهمات الطوعية لتصبح أغلب الموارد مخصصة لمشروعات بعينها يقترحها المانحون، وهو ما كان يحد من استقلالية المنظمة ومرونتها في مواجهة الصدمات.
انطلقنا مع الدول الأعضاء في خطة لتوسيع قاعدة المانحين وتحقيق تمويل أكثر استدامة وتنبؤاً، فأنشأنا مؤسسة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوصول إلى مصادر تمويل جديدة، واقتُرِح رفع نسبة المساهمات المقررة من 20% إلى 50% من الميزانية الأساسية، ووافقتم على هذه الخطة عبر خمس دفعات، بتنفيذ أول دفعتين بالفعل وتبقى ثلاث دفعات مقررة في الأعوام 2027 و2029 و2031، ما يعيد بناء الاستقلال والمرونة ضد الصدمات مثل تلك التي واجهتنا في العام الماضي.
تشير هذه التحولات الثلاثة الكبرى إلى المسار الذي أخذته من العلوم إلى الطوارئ ثم التمويل، بينما نستمر في تعديل الأولويات وإعادة تنظيم العمل خلال الفترة الممتدة إلى 16 شهراً مضت وتستمر بناءً على متطلبات الدول الأعضاء وظروف العالم الراهنة، فنتيجة هذه التجربة تبرز الاستقرار ووضوح الرؤية في مواجهة التحديات الصحية العابرة للحدود.
بدأت النتائج العملية لهذا التحول بإعادة ترتيب برامجنا وتقليل ميزانيات بعض المكاتب والبرامج، وبشكل مؤسسي أدى ذلك إلى توديع عدد من الزملاء المخلصين، وأود هنا التعبير عن امتناني العميق لهم على عملهم وجديتهم، فهذه الفترة كشفت أن الطريق نحو الاستقرار كان صحيحاً وأن الاستمرارية في تطبيقه ستقلل من أثر الأزمات وتدفع健康 العالمية إلى استدامة أقوى.


