لماذا لا يناسب الاستيقاظ مبكراً الجميع وماذا يقول خبراء النوم عن الاستيقاظ مبكراً؟
يؤكد خبراء النوم أن الاستيقاظ في الساعة الخامسة صباحاً وممارسة التمارين ثم التوجه إلى العمل ليس وصفة مناسبة للجميع، فالأشخاص يختلفون في طبيعتهم البيولوجية وليس كل شخص من النوع الصباحي.
انتشرت في السنوات الأخيرة فكرة الاستيقاظ المبكر عبر منصات التواصل وكتب التنمية البشرية، فمثلاً كتاب روبن شارما عن نادي الخامسة صباحاً وبيعت أكثر من 15 مليون نسخة منذ صدوره عام 2018، مع اعتبار الفترة من 5 إلى 6 صباحاً ساعة من النجاح والتحضير لليوم.
يقدم الكتاب هذه الفترة كوقت انتصار يقسمه إلى ثلاث مراحل مدة كل منها 20 دقيقة، تشمل تمارين رياضية مكثفة لتعزيز التركيز، ثم التأمل عبر الكتابة أو التأمل الذهني، وأخيراً تعلم مهارات جديدة.
ينتقد خبراء النوم هذا الاتجاه، ويقولون إنه يتجاهل عوامل مهمة تتعلق بطبيعة الجسم، إذ يشرح عالم النفس النوم جونتر أمان جينسون أن الفكرة تفترض أن الاستيقاظ المبكر يخلق الانضباط الذي يقود إلى النجاح، وهو افتراض يتجاهل القوانين البيولوجية التي تتحكم في ساعة داخلية لا يمكن تغييرها بسهولة.
توضح الطبيبة العصبية بيرجيت هوجل أن الأبحاث تميز عادة بين النهاريين والليليين، فالصباحيون يفضلون بدء يومهم مبكراً ويشعرون بالجوع بعد الاستيقاظ ويكون نشاطهم الذهني والجسدي جيداً في ذلك الوقت، بينما يميل البوم إلى النوم لفترة أطول ونشاطه الذهني يصل ذروته في فترة ما بعد الظهر.
يؤكد هوجل أن الاستيقاظ المبكراً لا يتوافق دائماً مع متطلبات الحياة اليومية ولا مع المدة الموصى بها للنوم التي تتراوح بين سبع إلى تسع ساعات؛ فإذا أراد الشخص الاستيقاظ عند الساعة 5 صباحاً فعليه النوم نحو الساعة 9 مساءً، وهذا الخيار قد يناسب من يحبون النوم مبكراً فقط إذا حافظوا على إجمالي النوم الكافي ولكنه لا يناسب من يفضلون السهر.
تشير تقديرات أمان جينسون إلى أن نحو 20 إلى 25% من الناس يستيقظون مبكراً، بينما يستيقظ نحو 20 إلى 30% في وقت متأخر، ونحو 50% من السكان يقع بين النمطين ويصنفون ضمن النمط الزمني المتوسط المعروف باسم الحمامة.
يرى الخبراء أن النجاح لا يعتمد فقط على الاستيقاظ المبكر بل على الاعتراف بأهمية النوم كأساس للصحة والأداء والرضا في الحياة، فالشخص الذي يفهم النوم سيسلك طريقاً أفضل على المدى الطويل بدلاً من الاعتماد على معادلات سهلة للنجاح.
ويضيف أن المسار يبدأ باعتماد حدود بيولوجية ونفسية لكل شخص، وأنه مع محدودية اليوم يجب اختيار الأولويات، وللحفاظ على الصحة الطويلة الأمد ينبغي النوم الكافي مع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة والعيش في بيئة اجتماعية مناسبة.
يذكر الخبراء أن النوم الجيد لا يعتمد بالضرورة على شراء مرتبة فاخرة، بل توجد شروط أساسية مثل أن تكون غرفة النوم مظلمة وهادئة وبدرجة حرارة معتدلة، ويمكن استخدام ستائر داكنة أو قناع نوم، وتجنب الضوضاء الخفيفة، كما يجب أن تكون آخر وجبة قبل النوم مناسبة، ولا تكون قريبة جداً من وقت النوم أو على معدة فارغة تماماً، مع تجنب السهر الطويل.
تشير هوجل إلى أن قلة النوم قد تضعف الذاكرة العاملة والطلاقة اللغوية وتنظيم العواطف واتخاذ القرارات، وتزيد من حساسية الألم، وتظهر الدراسات الطويلة الأجل أن نقص النوم المزمن يرفع مخاطر اضطرابات التمثيل الغذائي والسكري وارتفاع ضغط الدم.
ويؤكد أمان جينسون أن نحو 95% من الناس يعانون من نقص النوم بدرجات مختلفة، وأن الحرمان من النوم يمثل مشكلة مجتمعية إذ تتعارض ساعات المدرسة والعمل مع الساعة البيولوجية لكثير من الأشخاص، كما يؤثر نقص النوم في العلاقات الاجتماعية حيث يؤدي التعب إلى انخفاض التعاطف وزيادة العدوانية.
تؤكد الفقرة الأخيرة أن النوم أساس الصحة والأداء والرضا، وأن فهم الحدود البيولوجية والنفسية لكل فرد يساعد على اختيار نمط نوم يحقق الاستدامة والراحة على المدى الطويل.



