شهر رمضان زمان
كان رمضان زمان موسمًا للدفء الإنساني وذكريات تعيش في القلوب حتى اليوم، كانت الشوارع والبيوت والجيران تحمل روحًا خاصة لا تُنسى، وتتناغم في المدى أصوات الراديو مع نداءات الإفطار وتملأ المكان بالفرح والاشتياق.
يظهر صانع الكنافة في الشارع قبل حلول الشهر بأيام، يبني فرنًا من الطوب مخصّصًا لرمضان، ويتجمهر الناس حوله لمشاهدة العجينة وهي تسكب على الصاج فيتحول إلى خيوط ذهبية شهية، وتقف الطوابير الصغيرة من الأطفال منتظرة دورها حاملين أطباقهم ويتبادلون الابتسامات.
كان تبادل الأطباق بين الجيران من أجمل صور الترابط الاجتماعي، إذ ترسل كل عائلة طبقًا من الطعام قبل أذان المغرب ليعود اليوم التالي محمَّلاً بطبق جديد من الحلوى أو الطبخ المختلف، ويشعر الأطفال بالفخر وهم يوصلون الأطباق إلى جيرانهم ويعودون بابتسامات وتقدير.
تتحول البيوت قبل العيد إلى ورش عمل لصناعة الكحك والسكويت، تجتمع الأمهات والجدات والبنات حول طاولة كبيرة مملوءة بالعجين والقوالب والسمسم والسكر البودرة، وتملأ الضحكات القصص وتتناقل الأسر وصفاتهم القديمة.
كانت فوازير رمضان حدثًا يوميًا يجتمع حوله أفراد الأسرة بعد الإفطار، يحاول الجميع فهم الأسئلة وحل الألغاز ويرسم الحماس في دفاتر الأطفال مع أحلام الفوز بجائزة بسيطة، فكانت هذه اللحظات تجمع بين التسلية والتفكير وتزيد أواصر المحبة في البيت.
كان الراديو رفيق المطبخ وغرفة المعيشة قبل أذان المغرب، تبث الأمهات الدعاء والبرامج الخفيفة وتتابع الوقت حتى يحين الإفطار، فتصبح أصوات المذيعين جزءًا من أجواء التحضير وتمنح الناس إحساسًا خاصًا بالانتظار والترقب.
زينة رمضان المصنوعة يدويًا كانت جزءًا من الفرح، إذ كان الأطفال يقطعون الورق الملون ويربطونه بخيوط ليصنعوا سلاسل تعلق في الشرفات والغرف، وتشاركهم الأخوة والأصدقاء وتملأ الفرحة المكان بنوافذ مضيئة.
المسحراتي في الشوارع قبل الفجر كان أحد أبرز ملامح ليالي رمضان، يضرب طبلة وينادي أسماء الناس فيختلط حماس الأطفال بانتظار السحر، ويشعر الجميع بوجوده كحنان دفء يربط الحي ويربط السحور لحظة جماعية.
سفرة رمضان تكتمل حين يجتمع الأقارب حول مائدة واحدة، وتتنوع أطباق الإفطار وتزداد الروابط الأسرية قوة مع مرور الأيام، فكل لقمة تحمل ذكرى وتعيد ترتيب مشاعر الناس نحو رمضان زمنًا يملؤه الخير والبركة.



