تُعد المياه الزرقاء أحد أخطر أسباب العمى الدائم حول العالم، ليس فقط لأنها مرض مزمن لا يُعالج نهائيًا، بل لأنها تتطور في صمت وتزداد احتمالية غياب أعراض واضحة في مراحله المبكرة، وهذا التطور الخفي جعلها تعرف باسم “اللص الصامت للبصر”، حيث تسرق الرؤية تدريجيًا دون أن يشعر المريض بالخطر إلا بعد حدوث تلف لا يمكن إصلاحه.
ومع التقدم العلمي في مجالي الوراثة وتقنيات فحص العين المتطورة، بات الكشف المبكر عن الجلوكوما ممكنًا بصورة أفضل، ما يفتح الباب أمام حماية البصر قبل فوات الأوان.
مرض يتقدم بلا إنذار
يتسبب الجلوكوما في تلف تدريجي للعصب البصري غالبًا دون ألم أو تشوش مفاجئ في الرؤية، وتبدأ الإصابة عادةً بفقدان الرؤية الطرفية مع بقاء الرؤية المركزية سليمة لفترة طويلة.
وتوضح الدكتورة ن. سوميترا، رئيسة قسم أمراض العيون في مختبرات ميدجينوم، أن كثيرًا من المرضى لا يلجأون إلى الطبيب إلا عندما تبدأ صعوبات واضحة في أداء الأنشطة اليومية، وحينها يكون الضرر قد أصبح كبيرًا ودائمًا في كثير من الحالات.
لماذا يمر الجلوكوما دون ملاحظة؟
يكمن الخطر الحقيقي للجلوكوما في طبيعتها البطيئة، فمع بقاء الرؤية المركزية طبيعية في المراحل الأولى يستمر المصابون في ممارسة حياتهم بشكل عادي دون إدراك وجود مشكلة صحية في العين، ومع مرور الوقت يصبح تلف العصب البصري متقدمًا وغير قابل للعلاج.
ويؤكد الأطباء أن الوقاية من العمى الناتج عن الجلوكوما تعتمد بدرجة كبيرة على تحديد عوامل الخطر مبكرًا، وليس على التدخل العلاجي بعد ظهور فقدان البصر.
الوراثة: مفتاح فهم المخاطر
تشير الدراسات إلى أن نحو نصف حالات الجلوكوما لها أساس وراثي، وتزداد المخاطر لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض، خاصة بين الأقارب من الدرجة الأولى كالأبوين أو الإخوة.
ومع ذلك، فإن وجود الاستعداد الوراثي لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، بل يشير إلى قابلية أعلى لتضرر العصب البصري عند وجود عوامل أخرى. وتوضح الدكتورة أن الجلوكوما ليست ناتجة عن جين واحد فقط، بل عن تفاعل عدة متغيرات جينية، من أبرزها تغيّرات في جينَي MYOC وOPTN، التي قد تؤثر على تدفق سوائل العين أو تقلل من قدرة العصب البصري على تحمل الضغط، حتى عندما تكون قراءات ضغط العين ضمن المعدل الطبيعي.
تقدم العمر والأمراض المزمنة: عوامل تضاعف الخطر
تلعب الخلفية العرقية دورًا مهمًا في تحديد خطر الإصابة بالجلوكوما، فبعض الفئات مثل الأمريكيين من أصول أفريقية واللاتينيين والآسيويين تكون أكثر عرضة لنوعيات معينة من المرض. تضم عوامل الخطر الأخرى التقدم في العمر بعد الأربعين، والإصابة بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم، واستخدام طويل الأمد أو غير المنضبط للستيرويدات، والتعرض لإصابات أو عمليات جراحية في العين. وعندما تلتقي هذه العوامل مع الاستعداد الوراثي، تزداد احتمالات الإصابة بالجلوكوما ذات التأثير السريري الخطير.
كيف يمكن الكشف المبكر قبل تأثر الرؤية؟
ينبغي عدم الاعتماد على فحص سطحي للعين فقط، فالتشخيص يحتاج فحصًا شاملاً يشمل قياس ضغط العين، فحص رأس العصب البصري، تصوير سماكة طبقة الألياف العصبية الشبكية، واختبارات مجال الرؤية. وفي وجود تاريخ عائلي قوي أو تغيرات بنيوية طفيفة، يمكن أن تسهم الاختبارات الجينية في تحديد مستوى الخطر ووضع خطة متابعة دقيقة، رغم أنها لم تصبح جزءًا من الفحوصات الروتينية العامة.
لماذا يُنقذ التشخيص المبكر البصر؟
لا يمكن استعادة البصر المفقود بسبب الجلوكوما، فكل العلاجات المتاحة تركز على إبطاء أو إيقاف التقدم عبر خفض ضغط العين، باستخدام الأدوية أو الليزر أو التدخل الجراحي. لكن عند التشخيص المبكر، يمكن السيطرة على تطور المرض بشكل فعّال، ما يسمح بالحفاظ على القدرة على الرؤية طوال الحياة، ولذلك يعتبر التأخر في التشخيص من أبرز أسباب فقدان البصر القابل للوقاية.



