كيف يعمل العلاج الجديد؟
أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية اعتماد أول علاج موجه للأطفال المصابين بمرض مينكيس النادر الذي يصيب الرضع ويؤدي إلى تدهور سريع في الدماغ والأعصاب. يمثل القرار لحظة فارقة في الطب الحديث، إذ يمنح المرضى الصغار فرصة حقيقية للعيش بعدما كان مصيرهم في الماضي محسوماً خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر.
يعتمد العلاج الجديد على مركب هيستيدينات النحاس، وهو صيغة دوائية مصممة لتعويض نقص النحاس داخل الجسم، وهو النقص الذي يقف خلف تدمير الخلايا العصبية.
أظهرت الدراسات أن تزويد الجسم بالنحاس في صورة سهلة الامتصاص يمكن أن يوقف التدهور العصبي ويحسن فرص البقاء على قيد الحياة، خاصة عند البدء في الأسابيع الأولى بعد الولادة.
مرض مينكيس وسببه الجيني
ينشأ مرض مينكيس نتيجة طفرة في جين ATP7A المسؤول عن نقل النحاس من الجهاز الهضمي إلى باقي خلايا الجسم.
يؤدي الخلل في هذا الجين إلى عجز الجسم عن استخدام النحاس بشكل طبيعي، ما يسبب تلفاً تدريجيًا في الجهاز العصبي المركزي.
تبدأ الأعراض عادة في الشهور الأولى من حياة الطفل، وتشمل ضعفاً في العضلات وتشنجات متكررة وتراجعاً حاداً في النمو ومشكلات في التحكم في حركة الرأس والعيون. ومع غياب العلاج سابقاً، كانت أغلب الحالات تفقد حياتها في عمر عامين إلى ثلاثة أعوام.
كيف يعمل العلاج؟
يعتمد العلاج المعتمد حديثًا على تعويض النحاس المفقود في الجسم عبر مركب مصمم بعناية يسمح بامتصاص النحاس ووصوله إلى الخلايا العصبية. يتم إعطاء العلاج يوميًا عن طريق الحقن تحت الجلد بجرعات محددة، مع متابعة دقيقة لنسبة النحاس في الدم لتجنب أي زيادة قد تسبب تسممًا.
في التجارب السريرية، شارك عشرات الأطفال المصابين وتبيّن أن بدء العلاج خلال الشهر الأول من الحياة يقلل خطر الوفاة بنحو 78% مقارنة بالأطفال الذين لم يتلقوا العلاج. كما لوحظ أن بعض الأطفال الذين استمروا في تلقي العلاج تمكنوا من العيش لأكثر من عشر سنوات، وهو رقم لم يكن متصورًا سابقًا.
تبيّن أن الأعراض الجانبية الشائعة تشمل التهابات بسيطة في موضع الحقن وارتفاعًا طفيفًا في الحرارة ونوبات متقطعة ومشكلات تنفسية مؤقتة. تبيّن أن الغالبية العظمى من الأطفال لم تسجل مضاعفات خطيرة، خصوصًا مع الالتزام بالجرعات والمتابعة المنتظمة لنسبة النحاس في الدم.
تؤكد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن هذا العلاج ليس شفاءً كاملاً، ولكنه يبطئ التدهور العصبي ويمنح الأطفال فرصة للنمو والاستمرار في الحياة بمستوى وظيفي أفضل.
عقود من الأبحاث قبل الوصول
بدأت المحاولات لتطوير علاج مينكيس منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكن التحدي كان في إيجاد صيغة دوائية آمنة تسمح بإيصال النحاس إلى الجهاز العصبي دون تراكم سام داخل الأنسجة. بعد سلسلة من الدراسات المعملية والتجارب السريرية المفتوحة، تم التوصل أخيرًا إلى الشكل الفعال من العلاج الذي حاز الموافقة في يناير 2026.
وصفت الدكتورة تريسي بيث هوغ، المسؤولة في مركز تقييم الأدوية التابع لـ FDA، الموافقة بأنها نقطة تحول في علاج الأمراض العصبية الوراثية النادرة، مؤكدة أن الأمل أصبح واقعيًا وليس مجرد حلم علمي.
أهمية الكشف المبكر والتدخل العلاجي السريع
يشدد الأطباء على أن التشخيص المبكر هو العنصر الأهم في نجاح العلاج، إذ يعتمد إنقاذ حياة الطفل على البدء بالعلاج خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة.
ينصح بإجراء فحوصات جينية للمواليد الذين تظهر عليهم علامات تأخر النمو أو ضعف العضلات، خاصة في الأسر ذات التاريخ الوراثي.
كما يرى الخبراء أن الموافقة تمثل خطوة أولى نحو تطوير علاجات جينية مستقبلية قد تصحح الخلل الوراثي نفسه، ما قد يفتح بابًا لعلاج جذري للمرض في السنوات القادمة.



