تثير قضايا تأخر النطق عند الأطفال قلق الأسر وتدفعهم للبحث عن الأسباب الملائمة وطرق التدخل المناسبة.
أسباب وتأثير الوراثة والبيئة في النطق
تشير الأبحاث إلى وجود مكون وراثي في اضطرابات اللغة والتواصل، لكن الوراثة وحدها لا تفسر التأخر دائماً.
وتظهر الدراسات الوبائية أن احتمال تأخر الكلام يزداد لدى الأطفال من أسر لديها تاريخ عائلي للصعوبات اللغوية، مع وجود جينات مرتبطة بنمو مناطق الدماغ المسؤولة عن المعالجة اللغوية مثل مناطق بروكا وفيرنيكه، مع التنبيه أن الوراثة ليست الحاسم الوحيد.
ويبرز مفهوم التفاعل بين الجينات والبيئة، حيث تتفاعل الميول الوراثية مع الظروف المحيطة لتشكل النتيجة النهائية، فالجينات قد تحد من الإمكانات، بينما تسهم البيئة في تعبئتها وتطويرها.
وتعتبر اللغة مهارة مكتسبة تحتاج إلى بيئة غنية وتحفيز متبادل، فالمخ مهيأ فطرياً لتعلم اللغة، لكنه يحتاج إلى تفاعل فعّال مع المحيط ليطلق قدراته.
دور البيئة المحفّزة لدمج اللغة وتطور النطق
وتلعب البيئة المنزلية دوراً محورياً في نمو مفردات الطفل، وتُعرف “اللغة الموجهة للطفل” بأنها كلام هادئ وبطيء وعالِ النبرة، غني بالتكرار وتعبيرات الوجه، وهو ما يعزز الانتباه ويساعد على تعلم الكلمات والتراكيب.
كما أن قراءة القصص والغناء والتحدث مع الطفل أثناء الروتين اليومي يوسّع حصيلته اللغوية ويعزز النطق والتعبير.
ومن جهة أخرى، قد تؤدي العوامل البيئية السلبية إلى تأخر الكلام مثل الإفراط في استخدام الشاشات الذي يحل محل الحوارات التفاعلية، ونقص التحفيز اللغوي في البيئات الصامتة أو التي تتحدث فيها البالغون بشكل قليل مع الطفل، إضافةً إلى الضغوط والتوتر العائلي الذي يؤثر في جاهزية الطفل للتواصل.
ماذا نفعل عندما نلاحظ تأخر النطق؟
عند ملاحظة تأخر النطق، يصبح التدخل المبكر ضرورياً من فريق متخصص من أخصائي النطق واللغة لتقييم المهارات الاستقبالية (الفهم) والتعبيرية (النطق) وتحديد مستوى النطق والطلاقة.
يفضل أيضاً إجراء فحص سمع مع أخصائي السمع لاستبعاد أسباب سمعية شائعة، إضافةً إلى فحص طبي عام مع طبيب الأطفال وطبيب المخ والأعصاب لاستبعاد وجود أسباب طبية أخرى مثل اضطرابات النمو العصبي أو شلل دماغي.
من نتائج التقييم، توضع خطة علاجية تركز على تحسين المهارات الاستقبالية والتعبيرية، مع استخدام استراتيجيات مثل النمذجة والتوسيع، حيث يعمل الأخصائي أو الوالدان على توسيع جملة الطفل لتكون أكثر اكتمالاً.
وفي النهاية، يظل الهدف أن تتحول كلمات الطفل من تأخر إلى تواصل فعّال، وتصبح الأسرة شريكاً رئيسياً في الرحلة، حيث تتحول كل لحظة مشتركة إلى جسر يفتح باب الكلام نحو عالم النور.



