تتحدث هذه القصة عن أنس التركي، شاب عشريني من ذوي الإعاقة حوّل حادثاً أليمًا في طفولته إلى مسار ملهم من الإرادة والتحدي والتقنية والإيمان.
تعرض أنس، وكان عمره 12 عامًا حينها، لحادث أقعده عن الحركة والكلام وألزمه بالتنفس عبر فتحة تنفّس وتغذية عبر أنبوب، فبدأت رحلة صعبة من التحديات اليومية مع صحته واحتياجاته.
لا يستطيع أنس الكلام، لكنه يتواصل مع العالم عبر حركة الوجه والابتسامة والعين، مستخدمًا تقنيات ذكاء اصطناعي تتيح له التحكم الكامل بالهاتف والآيباد وفتح التطبيقات وحضور الاجتماعات والتعلم عن بُعد وحتى قراءة القرآن الكريم.
أتم أنس حفظ القرآن الكريم ونال تقديراً من أمير منطقة الرياض لإلهامه في تطبيقاته القرآنية، كما تخرّج من الجامعة تخصص تقنية المعلومات ويعمل في مجال البرمجة، وهو حالياً ملتحق بأكاديمية طويق ضمن معسكر تطوير الألعاب باستخدام Unity، معتمدًا بشكل كامل على تقنيات تتبّع حركة الوجه والعين.
تؤكد والدته، الدكتورة أمل السيف، أن تجربة أنس غيّرت مسار اهتماماتها العلمية والبحثية تماماً، فبعد الحادث سخّرت كل طاقتها لخدمة ذوي الإعاقة وأصبحت رسالتها حياة من أجل الآخرين.
أسست الأسرة جمعية التواصل للتقنيات المساعدة لذوي الإعاقة، التي تضم اليوم أكثر من 300 جهاز وتقنية مساعدة وتخدم فئات متعددة من ذوي الإعاقة وكبار السن ومرضى التوحد والزهايمر والصم والمكفوفين.
وأُنشئ مركز تقدر للتقنيات المساعدة في حي غرناطة بالرياض لتشخيص الحالات وتجربة الأجهزة وتدريب المستفيدين عليها وتقديم الخدمات لكافة مناطق المملكة.
يصف يوم أنس تفاصيله الدقيقة والدكتورة أمل، حيث يبدأ بتمارين صباحية ومساءً لمنع تيبّس العضلات، ونقل من السرير إلى الكرسي بمساعدة، والعناية بفتحة التنفّس، ثم الصلاة والتدريب في أكاديمية طويق، قبل العودة للتمارين والعلاج. وحتى وهو على السرير، تُثبت كاميرا ذكية موجهة لوجهه تمكنه من طلب المساعدة عبر ثلاث ابتسامات فقط.
توفر الأسرة داخله ابتكارات محلية مثل طابعة ثلاثية الأبعاد وأجهزة استشعار وتقنيات ذكاء اصطناعي ونظارات ذكية لتتبع حركة العين، جرى تطويرها أو تكييفها خصيصاً لأنس بهدف تعزيز استقلاليته وتقليل اعتماده على الآخرين.
وجهت الدكتورة أمل رسالة للأسر التي لديها أبناء من ذوي الهمم، قالت فيها: هذه نعمة من الله… نعرف قيمة النعم عندما نفقدها. الصبر والتفهّم ومنح الوقت الكافي للتواصل يصنع فارقًا كبيرًا في حياة أبنائنا، وتؤكد أهمية دور المجتمع والبيئة الداعمة في تمكين ذوي الإعاقة وفق رؤية المملكة 2030 التي تدفع لدمجهم كطاقات منتجة ومؤثرة.
أنس.. قصة وطن
تؤكد قصة أنس أن الإرادة والإيمان والعلم والتقنية يمكن أن تحوّل الإعاقة إلى طاقة إنتاجية ومؤثرة، فالشاب الذي يتنفس عبر جهاز يظل مصدر إلهام لآلاف الأشخاص وقيمة حقيقية لا تقف عند الحدود الجسدية.
شارك أنس ومعه أسرته في مؤتمر أبشر 2025، حيث شارك في ورش تدريبية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والخدمات الحكومية الرقمية، لتأكيد قدرته على التفاعل والمشاركة الفاعلة رغم إعاقته، كما فازت والدته مع فريقها بالمركز الأول في تحدي أبشر الثاني عن مشروع “خدمة عملاء ذكية للصم”، كنموذج عملي لتوظيف التقنية في خدمة المجتمع.



