يزداد القلق من أن ارتفاع مستويات السكر لفترات طويلة قد يترك أثراً خفياً في الدماغ يعزز احتمال الإصابة بالخرف والزهايمر مع التقدم في العمر، خاصة عند المصابين بداء السكري من النوع الثاني.
تظهر التفاصيل أحياناً بمظاهر بسيطة كنسيان اسم جار تعرفه منذ سنوات أو فقدان مكان وضع النظارة أو تذكر ما تناولته في الإفطار، فتُظَن كأمور عادية في الشيخوخة بينما قد تكون إنذاراً مبكراً لمشكلة صحية ترتبط بمقاومة الأنسولين وتأثيرها على الدماغ.
كيف يؤثر السكر على صحة الدماغ؟
تشير الدراسات إلى أن المصابين بالسكري من النوع الثاني أكثر عرضة للتدهور المعرفي والخرف مقارنة بغير المصابين، ويرتبط ذلك بشكل رئيسي بمشكلة مقاومة الأنسولين، وهي حالة يفقد فيها الجسم قدرته على الاستجابة الفعالة للهرمون المسؤول عن تنظيم سكر الدم.
ولا يقتصر دور الأنسولين على تنظيم الجلوكوز فحسب بل يسهم في تزويد خلايا الدماغ بالطاقة، فحين تصبح الخلايا مقاومة للأنسولين تفقد الدماغ قدرة استخدام الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة ما يسبب خللاً في وظائف الخلايا العصبية.
ومع مرور الوقت قد يؤدي ارتفاع السكر المزمن إلى تغيرات ضارة داخل الدماغ تشمل التهابات في أنسجة الدماغ وتلف الأوعية الدموية الدقيقة التي تغذي الدماغ بالأكسجين والمواد الغذائية وضعف التواصل بين الخلايا العصبية وتسارع انكماش منطقة الحُصين المسؤولة عن الذاكرة والتعلم.
ويميل الأطباء إلى التحذير من أن هذه التغيرات قد تسرّع التدهور المعرفي المرتبط بالشيخوخة كما قد تزيد من خطر الإصابة بالخرف والزهايمر.
السمنة عامل إضافي يزيد المخاطر
إلى جانب السكر، تلعب السمنة دوراً مهماً في زيادة احتمالات الخرف خصوصاً الخرف الوعائي المرتبط بارتفاع ضغط الدم وضعف تدفق الدم إلى الدماغ مما يؤثر في صحة الأوعية الدموية الدماغية.
وقد أظهرت دراسة واسعة شملت أكثر من 500 ألف شخص أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم يمكن أن يضاعف خطر أمراض الدماغ المرتبطة بتدهور الوظائف المعرفية تقريباً، لذا يشدد الخبراء على أهمية الحفاظ على وزن صحي ونمط حياة يمثل خطوة أساسية للوقاية.
السكر مشكلة صحية عالمية
تزداد المخاوف بشأن العلاقة بين السكر والخرف في الدول ذات معدلات الإصابة المرتفعة، فمثلاً في الهند تشير التقديرات إلى أن أكثر من مئة مليون شخص مصاب بالسكري ويُشخّض كثير منهم في مراحل متأخرة من المرض.
ويرى الخبراء أن الاعتماد على الأدوية وحدها لتضبط السكر دون معالجة الخلل الأيضي الأساسي قد لا يكفي لحماية الدماغ، إذ قد يستمر الضرر بالتراكم دون أن تظهر أعراضه حتى يتبدّى التدهور المعرفي.
أهمية الكشف المبكر
يؤكد الأطباء أن الكشف المبكر عن مقاومة الأنسولين يمكن أن يساعد في الوقاية من المضاعفات الخطيرة التي قد تصيب الدماغ والجسم، وتوجد اختبارات إضافية تعطي صورة أدق عن الحالة الأيضية للجسم بجانب HbA1c مثل قياس مستوى الأنسولين أثناء الصيام واختبار HOMA-IR لتقييم المقاومة، وهذا يمكن أن يكشف اضطرابات التمثيل الغذائي قبل ظهور السكري بشكل كامل ويمكّن من التدخل المبكر.
تغييرات في نمط الحياة لحماية الدماغ
يشدد الخبراء على أن الوقاية من التدهور المعرفي لدى مرضى السكري لا تقف عند الأدوية بل تحتاج إلى تغييرات شاملة في نمط الحياة؛ مثل ممارسة الرياضة بانتظام خاصة تمارين المقاومة لبناء العضلات لأنها تحسن امتصاص الجلوكوز وحساسية الأنسولين.
ينبغي أيضاً العمل على إنقاص الوزن والحفاظ على وزن صحي وتقليل مخاطر السكري ومضاعفاته بما فيها أمراض الدماغ، وتنظيم مواعيد الوجبات والتزام أوقات ثابتة يساعد على تحسين استجابة الجسم للأنسولين وتنظيم السكر، كما يؤثر اتباع نظام غذائي متوازن يركز على البروتين مع تقليل الكربوهيدرات الزائدة في ضبط مستويات السكر في الدم.
نهج شامل للعلاج
يشدد الأطباء على أن التعامل مع مرض السكري يجب أن يشمل استراتيجية علاجية متكاملة تستهدف تحسين الصحة الأيضية بشكل عام، بما في ذلك التعاون بين الأطباء وأخصائيي التغذية وخبراء اللياقة البدنية لوضع خطة تساعد المرضى على التحكم في المرض وتقليل مخاطره على القلب والدماغ وباقي أعضاء الجسم.
فكلما اكتُشف المشكلة مبكراً زادت فرص الوقاية من المضاعفات وحماية الدماغ من الأضرار الصامتة الناتجة عن ارتفاع السكر في الدم مع مرور الوقت.



