أثارت عملية القبض على عدد من ممارسي العلاج بالطاقة جدلاً واسعاً حول صحة الممارسات التي يعاد تقديمها بمفاهيم حديثة وتستند إلى تراث قديم. ادّعى هؤلاء أن سحب الدم من الجسم يزيل ما أسموه الطاقة الشريرة ويشفي مجموعة من الأمراض المزمنة، وهو ادعاء يفتح باباً للنقاش حول قيمة الأدلة العلمية في قرارات العلاج.
يرتبط هذا النوع من الادعاءات بممارسات قديمة طورها فكر الأخلاط الأربعة، حيث كان يُعتقد أن اختلال توازن السوائل يسبب المرض، فكان الفصد يعتبر وسيلة لإعادة التوازن عبر إخراج الدم كإجراء رئيسي أو عبر وسائل أخرى متناسبة مع تلك الفلسفة.
الجذور النظرية للفصد
في الطب القديم كان يُعتقد أن الجسم يحوي أربعة سوائل أساسية، وإذا فرط أحدها عن الحد الطبيعي ظهر المرض، فكان الحل التخلص من الفائض عبر وسائل متعددة أبرزها إراقة الدم. ارتبطت هذه الفكرة بالحضارات المصرية واليونانية والرومانية وتوطّنت في أوروبا لقرون طويلة.
أدوات وأساليب عبر العصور
تعددت طرق سحب الدم بين ثقب الوريد مباشرة، واستخدام أدوات حادة متعددة الشفرات، أو تطبيق كؤوس مفرغة من الهواء فوق الجلد بعد خدشه. كما استُخدمت العلقات الطبية التي تمتص كميات محددة من الدم وتفرز مواد تمنع التجلط. في فترات تاريخية كان الحلاقون يمارسون الفصد إلى جانب مهامهم الأخرى.
الجدل الطبي والتحول العلمي
مع تطور علم التشريح وفهم الدورة الدموية بدأ يُشكّك في جدوى الفصد. أجرى أطباء في القرن التاسع عشر مقارنات منهجية بين مرضى تلقوا العلاج ومن لم يتلقوه، فبان أن الفائدة أقل مما كان يُعتقد، فانهارت تدريجيًا مكانته مع صعود الطب القائم على الملاحظة والتجربة السريرية.
الاستخدامات الطبية الحديثة
اليوم لا يُستخدم الفصد كعلاج عام، بل يقتصر على حالات محددة لها أساس فسيولوجي واضح مثل فرط الحديد في الدم وبعض أمراض نخاع العظم التي تؤدي إلى زيادة مفرطة في كريات الدم الحمراء، إضافة إلى حالات من اضطراب تصنيع الهيم، ويتم سحب كميات مدروسة من الدم بإشراف طبي دقيق. كما عادت العلقات للاستخدام في جراحات إعادة التروية الدقيقة لتخفيف الاحتقان الوريدي عبر المواد المضادة للتجلط التي تفرزها.
لماذا استمر رغم الشكوك؟
استمرار الفصد لم يكن مرتبطًا فقط بالمعتقدات الطبية بل تأثر بثقافة المجتمع وبناء الثقة بالممارسين. وفي فترات سابقة طلب المرضى سحب الدم بأنفسهم اعتقادًا بفائدته، كما أن غياب أدوات البحث العلمي الدقيقة سمح باستمرار الممارسة دون تقييم منهجي.
عند عودة طرح الفصد تحت مسميات مثل “تنقية الطاقة” يظل الفاصل العلمي واضحاً؛ لا يعترف الطب الحديث بمفهوم الطاقة الشريرة كمسبب للمرض، ويعتمد على آليات بيولوجية قابلة للقياس والتحليل. أي إجراء يتضمن سحب الدم يجب أن يكون مبنيًا على تشخيص واضح ومؤشرات طبية معترف بها، لأن فقدان الدم دون داع قد يعرّض الصحة للخطر، ويبيّن التاريخ الطبي أن بعض الممارسات قد تستمر قرونًا قبل إعادة تقييمها علميًا، والفصل هنا أن القرارات العلاجية يجب أن تبنى على الأدلة لا على تصورات غير مثبتة.



