الصيام راحة فسيولوجية مدروسة
يتوقف الصائم عن تناول الطعام والشراب لفترة محددة، فيتراجع النشاط الإفرازي للمعدة وتتباطأ حركة الأمعاء بما يتناسب مع قلة الوارد الغذائي. هذا التكيّف الطبيعي يخفف العبء المستمر الذي يتعرض له الجهاز الهضمي على مدار العام. لا تبدأ المشكلة أثناء الصيام، بل عند الإفطار حين تتحول الوجبة إلى تعويض مفرط عن احتياجات الجسم الفعلية.
عادات خاطئة تؤثر على الجهاز الهضمي في رمضان
يُسقط الانتقال من معدة فارغة إلى وجبة دسمة مليئة بالدهون والسكريات في دقائق مفاجئًا ضغطًا على جدار المعدة.
الإسراع في الأكل وإهمال شرب الماء بشكل متوازن والسهر الطويل جميعها عوامل تخطيط غير صحيح للجهاز الهضمي.
كثير من الصائمين يربطون الحموضة أو الانتفاخ بالصيام، بينما يكون السبب الحقيقي الإفراط في الكمية، الاعتماد على المقليات والأطعمة الثقيلة، وشرب المشروبات الغازية مباشرة بعد الإفطار.
قلة الألياف والسوائل والإفراط في النوم بعد الأكل مباشرة تساهم في اضطرابات الهضم وتفاقمها خلال الليل.
أبرز الاضطرابات المرتبطة بالعادات الغذائية
الحموضة وارتجاع الحمض
تناول أطعمة دهنية أو حارة بكميات كبيرة يؤدي إلى زيادة إفراز الحمض، ومع امتلاء المعدة يعود جزء من الحمض إلى المريء مسببًا الإحساس بالحرقان. المسألة هنا تتعلق بنوعية الوجبة وسرعة تناولها أكثر من الصيام نفسه.
الانتفاخ والشعور بالامتلاء
المشروبات الغازية والأكل السريع يسمحان بدخول الهواء إلى الجهاز الهضمي، كما أن الدهون تؤخر إفراغ المعدة ما يعزز الإحساس بالثقل والامتلاء.
الإمساك
ضعف شرب الماء بين الإفطار والسحور، مع غياب الخضروات والفواكه، يؤدي إلى بطء حركة الأمعاء. الجفاف النسبي خلال النهار يفاقم الأمر، ولكنه ليس السبب الوحيد.
التقلصات وآلام البطن
الوجبات الكبيرة التي تُستهلك في فترة قصيرة قد تمدد المعدة فجأة، فيظهر الألم أو التشنج العابر خاصة عند الاستلقاء مباشرة بعد الأكل.
كيف نجعل الصيام فرصة لتحسين صحة الأمعاء؟
تنظيم الإفطار يبدأ بكمية معتدلة من الماء وطعام خفيف يمنح المعدة فرصة للتهيؤ، وتقسيم الطعام إلى مرحلتين يقلل الضغط المفاجئ، مع الأكل ببطء ومضغ جيد يحسّن عملية الهضم.
سحور متوازن يشمل أطعمة غنية بالألياف مع بروتين معتدل يساعد على استقرار الطاقة وتحسين حركة الأمعاء، وتخفيف الأملاح يقلل الشعور بالعطش في اليوم التالي.
ترطيب ذكي بتوزيع شرب الماء على ساعات المساء أفضل من شربه دفعة واحدة، فالسائل المنتظم يدعم ليونة البراز ويحافظ على كفاءة الدورة الدموية.
نشاط بدني خفيف مثل المشي الهادئ بعد الإفطار يساعد على تنشيط حركة الأمعاء ويقلل الإحساس بالامتلاء.
أطعمة يجدر الحد منها
الوجبات المقلية تبقى فترة أطول في المعدة، والحلويات المركزة ترفع سكر الدم ثم تعود لتهبط وتسبب الخمول، كما أن الإفراط في الكافيين قد يؤثر في الترطيب وجودة النوم، ما ينعكس سلبًا على الهضم.
متى نطلب المشورة الطبية؟
تظهر علامات تستدعي تقييمًا طبيًا عند الألم الشديد المستمر، القيء المتكرر، تغير لون البراز إلى داكن جدًا، أو فقدان وزن غير مبرر. كما يجب على من لديهم قرحة معدية أو ارتجاع مزمن أو متلازمة القولون العصبي استشارة الطبيب لضبط الخطة العلاجية، بما في ذلك تعديل جرعات أدوية مثل مثبطات مضخة البروتون أو أدوية تنظيم حركة الأمعاء.
الصيام في جوهره نظام متوازن، لكن العادات الغذائية غير المنضبطة قد تُحوّل فائدته إلى معاناة. الاعتدال في الكمية، حسن اختيار النوعية، وتنظيم المواعيد كفيلة بأن تجعل الشهر الفضيل فترة راحة حقيقية للجهاز الهضمي.



