تاريخ عريق وأسواق عتيقة
تُشاهد الحي يفتح صفحة تاريخية عميقة حين تُروى قصته بعبق المساجد والمآذن التاريخية، فيقع مسجد الحسين الذي بُني سنة 549 هجرية (1154 ميلادية) في العهد الفاطمي، وهو المسجد الذي يَفضَل كثيرون أنه يضم الرأس الشريف للإمام الحسين وقطعاً أثرية نبوية، فَيُشكل نقطة ارتكاز روحية لمجموعة أزقة الحي ومحط رحال الزائرين الباحثين عن أجواء تراثية أصيلة.
يُجاور المسجد خان الخليلي الذي أسسه الأمير جركس الخليلي قبل أكثر من ستة قرون، ليُصبح واحداً من أشهر الأسواق الشرقية المتخصصة في التحف والنحاسيات والفضيات والمشغولات اليدوية التي تعكس الفن الإسلامي والفرعوني، ويمتاز الحي أيضاً بأسواق عتيقة أخرى كسوق التوابل والعطارين التي تضيف للزائر طعماً تاريخياً فريداً من نوعه.
ليالي رمضان في الحسين
يمتد السحر التاريخي ليالي الحسين إلى شارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث يتحول إلى متحف مفتوح للآثار الإسلامية وتصفّ عشرات الجوامع والمدارس والكتاتيب والبيوت والوكالات الأثرية التي تعود إلى العصور الفاطمية والمملوكية والأيوبية والعثمانية، وكل حجر يحكي قصة من الماضي وتُصبح المساجد في المساء كتلَاً ذهبية بفضل الإضاءة المميزة، فتجتذب محبي الرسم والتصوير إلى هذا المسار العتيق.
ومع حلول الشهر الفضيل يكتسي الحي حلة من الأنوار والفوانيس وشرائط الزينة، معلناً بدء كرنفال روحي وثقافي فريد لا يقتصر على الزينة فحسب، بل تتجسد الروحانية في حلقات الذكر التي تُقام في ساحة المسجد، وتُردد الأناشيد الصوفية أصداءها في كل زاوية، وتتنقل عروض فرق التنورة بين الحارات لتبث الفرح وتمنح الزوار إحساساً بالبهجة والسكينة في آن واحد.
حي الحسين تجربة ثقافية متكاملة
تتحقق قيمة الحي الثقافية عندما تطفح أمسياته بالفعاليات التي تُقام في مسارح ثقافية وتُحييها فرق دينية تلتئم حول حلقات الذكر، وتُقام أمسيات دينية وثقافية في البيوت الأثرية مثل بيت السحيمي ووكالة الغوري، لتشهد سهرات إنشاد ديني وعروضاً لفرقة التنورة التي تجوب الحارات وتُسهم في نشر مشاعر الفرح والروحانية.
وقد شهد الحي بعد حرب أكتوبر 1973 تحولاً ثقافياً ملحوظاً حين أسست وزارة الثقافة سرادقا كبيراً، وشاركت إذاعة صوت العرب في تنظيم برامج ثقافية وفنية، مؤكدةً دوره كمركز إشعاع ثقافي وروحي، كما يُعرف الحي بمطاعمه التي تقدم أشهى الأكلات المصرية الشعبية والمشويات، ما يجعل الزائر وجهة مثالية للإفطار والسحور. ولا تكتمل التجربة دون الجلوس في أحد مقاهيه العتيقة التي تَضج بمختلف الجنسيات، منها مقهى الفيشاوي العريق الذي يعود تاريخه إلى عام 1797، ليظل علامةً أيقونية في الحي، ملتقى للمثقفين والفنانين عبر العصور وتختص بتحقيق تواصل حقيقي بين الحاضر والماضي.



