تشهد السنوات الأخيرة تحوّلاً حاداً في مسارات مهنيين كانوا يعملون في وظائف مكتبية مستقرة، بعدما بدأ الذكاء الاصطناعي يزاحمهم في صميم أعمالهم، حتى بات الواقع أقرب إلى التوقعات من كونه فرضية نظرية.
تشير تقارير إلى أن الوظائف المهنية، خصوصاً في القطاعات الإدارية والمالية والقانونية، تعدّ الأكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعزز مخاوف من تغيّر طبيعة الوظائف المحفوفة بالاستقرار سابقاً.
وفق تقرير حديث في The Guardian، حسمت جاكلين بومان من كاليفورنيا خيارها بأن تصبح كاتبة منذ الطفولة، فبدأت مسار الكتابة وتدرّبت صحفياً في سن مبكرة، ثم عملت في كتابة المحتوى والتسويق والتحقت بالعمل الحر في سنّ مبكر، لكنها لم تحتفظ بحلمها بسهولة مع تقلبات السوق.
من الكتابة إلى العلاج النفسي
تذكّرت بومان مادة في علم النفس وقرّرت إعادة التدريب لتصبح معالجة أسرية وزوجية، معترفة بأن المجال ليس محصناً تماماً ضد الذكاء الاصطناعي، لكن فئة من الناس ترفض العلاج عبر التطبيقات الرقمية وتؤمن بأن الطلب على المعالجين البشر سيبقى قائماً. عادت للدراسة، واعتمدت على دعم زوجها وبعض الأعمال المتفرّقة، وتؤكد أنها ممتنة للفرصة لكنها ما كانت ستختار المسار لولا تراجع مهنتها الأصلية.
محرّرة أكاديمية تتحوّل إلى خبّازة
انطلقت جانيت فينسترا، محرّرة أكاديمية من مالمو في السويد، في مسار مختلف حين عملت منذ 2013 في تحرير نصوص أكاديمية عالية التخصّص، ولاحظت تزايد الحديث داخل الجامعات عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الأبحاث. كأمّ لطفلين ومطلقة تحتاج إلى استقرار مالي، قررت الالتحاق بمدرسة طبخ، وواجهت صعوبات كبيرة خلال انتقالها وعيشها مع أطفالها وتدريبها. تعمل الآن في مخبز يدوي وتصف التجربة بأنها ممتعة وحيويّة، لكنها تقرّ بأن الأجر أقل والعمل أكثر إرهاقاً، وتطمح إلى توسيع سكنها لاستيعاب أولادها. ترى في التحول من وظيفة مكتبية إلى حرفة يدوية إعادة تعريف لمفهوم المكانة الاجتماعية المرتبطة بالمهنة.
الإقبال على المهن الحرفية
تؤكّد أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذية لكلّ كلية Capital City في لندن، تزايد الإقبال على التخصّصات الحرفية مثل الهندسة وفنون الطهي والرعاية التعليمية، وتربط ذلك بتحوّل واضح بعيداً عن المسارات الأكاديمية التقليدية وبازدياد بطالة الخريجين وبحثهم عن وظائف يصعب أتمتتها.
من الصحة والسلامة إلى الهندسة الكهربائيّة
ريتشارد، متخصص صحة وسلامة مهنيّة في نورثهامبتون، أمضى خمسة عشر عاماً في مجاله ثم قرّر إعادة التدريب ليصبح مهندساً كهربائياً. لاحظ استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة السياسات وإجراءات السلامة، ويرى أن الأدوار الروتينية التي تعتمد على البيانات هي الأكثر تهديداً. تراجَع دخله بشكل كبير بعد الانتقال، ويتوقع أن يستغرق خمس إلى عشر سنوات لاستعادة مستواه السابق، مع استنتاج أن الأتمتة قد تصل حتى إلى المهن الحرفية مستقبلاً، لكنه يؤمن بأن الأعمال التي تتطلب مهارة يدوية عالية وحلّ مشكلات معقّدة ما زالت أكثر صموداً حالياً.
هل المهن اليدوية في مأمن؟
كارل بنيديكت فري، أستاذ مشارك في جامعة أكسفورد ومتخصّص في الذكاء الاصطناعي والعمل، يؤكّد أن الأعمال اليدوية أصعب في الأتمتة، لكنّه يتوقّع تأثيراً واسعاً على مختلف القطاعات، مشيراً إلى قدرة الأفراد على إصلاح بعض الأعطال المنزلية باستخدام نماذج لغويّة قد تقلّل الطلب على بعض الخدمات. مع ذلك، يحذّر من اتخاذ قرارات مهنية بناءً على سيناريوهات مستقبلية افتراضية فقط، فالدراسات الراهنة تشير إلى تأثير أوضح على الوظائف المبتدئة، لكن عوامل أخرى مثل أسعار الفائدة والتعافي من الجائحة تلعب دوراً أيضاً.
سوق عمل يعيد تشكيل نفسه
ما يحدث اليوم لا يقتصر على فقدان وظائف بخاصة في القطاعات المكتبية، بل هو إعادة تشكيل واسعة لسوق العمل. تبرز المهن الحرفية والمجالات التي تعتمد على التفاعل البشري كخيارات أكثر جاذبية، مع وجود تضحيات مالية واجتماعية في الطريق. يفتح التحول باباً لإعادة تقييم المهارات والخيارات في ظل تسارع التطور التكنولوجي.



