تشهد السنوات الأخيرة تحوّلاً حاداً في مسارات مهنيين كانوا يعملون في وظائف مكتبية مستقرّة، بعدما بدأ الذكاء الاصطناعي بزاحمهم في صميم أعمالهم، وهو ضغط يتزايد وتدفعه تقنيات التعلّم الآلي وتوليد المحتوى بالاعتماد على البيانات الضخمة. وتؤكد دراسة صدرت عام 2023 عن وزارة التعليم البريطانية أن الوظائف المهنية، خاصة في القطاعات الإدارية والمالية والقانونية، أكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي.
تروي جاكلين بومان من كاليفورنيا، وفق تقرير تحليلي في صحيفة الغارديان، قصة كاتبة بدأت تحلم منذ طفولتها بأن تصير كاتبة وتدرّبت في الصحافة في سنّ مبكرة، ثم عملت في كتابة المحتوى والتسويق وانتقلت إلى العمل الحر بدوامٍ كامل في سنّ 26. لم تكن الكتابة عن قُدْرَة حلمها، لكنها كانت تكتب يومياً وتسدّد فواتيرها.
في عام 2024 تغيّر كل شيء، فشهد القطاع موجة تسريحات وإغلاق مؤسسات إعلامية، وبدأ العملاء يطرحون استخدام الذكاء الاصطناعي. عُرض عليها العمل كمحرّرة لمحتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي، فخفض أُجرها إلى النصف بدعوى أن التحرير أسرع من الكتابة من الصفر، لكن الواقع كان مختلفاً، حيث أمضت وقتاً مضاعفاً في تدقيق الحقائق لأن نحو ستين في المئة من المحتوى كان يحوي معلومات مختلقة، بينما ارتفع الوقت المستغرق لإنجاز المهمة من ساعتين إلى أربع ساعات مقابل نصف الأجر.
أُتهمت من قِبل بعض العملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباتها، رغم تأكيدها أنها لا تستخدمه، كما راقبت تشابهاً بين النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي وأسلوبها، وترجّح أن النماذج اللغوية تدربت على أعمال سابقة لها. بحلول يناير 2025 لم تعد قادرة على تحمّل تكاليف التأمين الصحي فاضطّرت إلى تأجيل زواجها للاستفادة من تأمين زوجها، ثم أدركت أن الكتابة لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار.
قررت بومان إعادة التدريب لتصبح معالجة أسرية وزوجية، وتؤكد أن المجال ليس محصناً تماماً ضد الذكاء الاصطناعي، لكن فئة من الناس ترفض العلاج عبر تطبيقات رقمية وتُرى أن الطلب على المعالجين البشر سيستمر. عادت إلى الجامعة وتلتمس الآن دعماً من زوجها وتوظّف بعض الأعمال المتفرّقة، مع حصولها على قروض دراسية؛ وتعبّر عن امتنانها للفرصة لكنها ما كانت لتختار هذا المسار لولا تراجع مهنتها الأصلية.
اتّخذت جانيت فينسترا، محرّرة أكاديمية في مالمو بالسويد، قراراً مشابهاً، فعملت منذ 2013 في تحرير نصوص أكاديمية عالية التخصّص خاصة للباحثين غير الناطقين بالإنجليزية، ولاحظت تزايد الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الأبحاث فشعرت بأن عملها قد يصبح زائداً عن الحاجة. وهي مطلقة وأم لطفلين وتحتاج إلى استقرار مالي، فقررت دخول مدرسة للطهي.
كان التحول صعباً؛ لم تعد قادرة على دفع الإيجار وانتقل ابنَها إلى العيش مع والدهما مؤقتاً، وعاشت مع شريكها في شقة صغيرة خلال سنوات التدريب. تعمل حالياً في مخبز يدوي وتصف التجربة بأنها ممتعة ومليئة بالحركة والموسيقى، لكنها تُعرب عن مرارة داخلية؛ الأجر أقل والعمل أكثر إرهاقاً، لكنها تمكنت مؤخراً من توقيع عقد شقة يتسع لولديها.
ترى فينسترا أن التحول من وظيفة مكتبية إلى مهنة عملية يفرض إعادة تعريف لمفهوم المكانة الاجتماعية المرتبطة بالعمل.
الإقبال على المهن الحرفية وتحوّلات سوق العمل
تشير أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذية لكلّية كابيتال سيتي في لندن، إلى ارتفاع الإقبال على التخصّصات الحرفية مثل الهندسة وفنون الطهي ورعاية الأطفال، وتربط ذلك بارتفاع بطالة الخريجين وبحثهم عن وظائف يصعب أتمتتها.
بدأ ريتشارد، متخصص صحة وسلامة مهنيّة في نورثهامبتون، إعادة التدريب كمهندس كهربائي بعد 15 عاماً في مجاله؛ لاحظ استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة السياسات والإجراءات، ورأى أن الأدوار الروتينية الثقيلة بالبيانات مهدّدة أكثر من غيرها. تراجع دخله بشكل كبير، ويتوقع أن يحتاج من خمس إلى عشر سنوات لاستعادة مستواه السابق، ويعتقد أن الأتمتة قد تصل حتى للمهن الحرفية لاحقاً، لكنه يرى أن الأعمال التي تتطلب مهارة يدوية عالية وحلّ مشكلات معقّدة تظل أكثر صموداً حالياً.
يؤكّد كارل بنيديكت فري، أستاذ مشارك في جامعة أكسفورد ومتخصّص في الذكاء الاصطناعي والعمل، أن الأعمال اليدويّة أصعب في الأتمتة لكنه يتوقّع تأثيراً واسعاً للتكنولوجيا على مختلف القطاعات. ويشير إلى أن الأفراد أصبحوا قادرين على إصلاح بعض الأعطال المنزلية بالاعتماد على نماذج لغوية، ما قد يقلّل الطلب على بعض الخدمات. يحذّر من اتخاذ قرارات مهنية بناءً على سيناريوهات مستقبلية افتراضية فقط، فالدراسات الحالية تشير إلى تأثير أوضح على الوظائف المبتدئة، لكن عوامل أخرى مثل أسعار الفائدة والتعافي بعد الجائحة تلعب دوراً أيضاً.
يعبّر سوق العمل عن نفسه كقوة إعادة تشكيل واسعة؛ فوظائف كانت مكتبية ومستقرة تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، فيما تشهد المهن الحرفية والمجالات التي تعتمد على التفاعل البشري إقبالاً متزايداً، وتفرض التغييرات تضحيات مالية واجتماعية لكنها تكشف عن مرحلة جديدة يعيد فيها الأفراد تقييم مهاراتهم وخياراتهم في ظل تسارع التكنولوجيا.



