يعد اتباع نمط حياة صحي أمرًا إيجابيًا ومطلوبًا للحفاظ على الصحة العامة، فالتوازن في الغذاء وممارسة النشاط البدني مفيدان، غير أن الإفراط إلى حد الهوس قد يتحول إلى ما يُسمّى متلازمة طول العمر، وهو تشخيص غير رسمي يصف مبالغة في الحفاظ على الصحة بشكل ينعكس سلبًا على الحياة اليومية.
إفراط الاهتمام بالصحة: حين يتحول إلى متلازمة
وتظهر هذه الظاهرة عندما تتحول العادات الصحية المقبولة إلى سلوك قهري، حيث ينعكس القلق من الموت وحرص الفرد على طول عمره في الإفراط باستراتيجيات مثل اختيار أطعمة محدودة وتقييد السعرات وتتبع الأنشطة البدنية والوظائف الحيوية بدقة متناهية، وهو ما يصنف ضمن حالة تعرف أحياناً باسم أورثوركسيا أو متلازمة طول العمر.
قصة جيسون وود وتداعيات الهوس
كان جيسون وود، البالغ من العمر 40 عامًا، يراقب بدقة ما يأكل ويعتمد غالبًا غذاءً عضويًا فقط، ويحصر السعرات الحرارية، ويضاعف تمارينه الرياضية إلى مرتين يوميًا طوال الأسبوع، ويتتبع كل وظيفة من وظائف جسده كالنوم ومعدل ضربات القلب ونسبة الدهون. كما كان يتردد على عيادات الصحة مرتين إلى ثلاث مرات شهريًا للحصول على محاليل فيتامينات عبر الوريد وجلسات أكسجين عبر أنبوب أنفي، مع إجراء تحاليل دم شبه نصف سنوية لقياس مؤشرات حيوية عدة، وكل ذلك بتكلفة تصل إلى نحو عشرة آلاف دولار إجمالاً. ثم وصل الانهيار عندما حدث خطأ بسيط في اختياره الغذائي في أحد المطاعم، فانهار أمام الضغط وقال إنه لم يعد يحتمل ذلك، وطلب الدعم النفسي لإعادة ترتيب علاقته بجسده وصحته.
يؤكد الطبيب المعني أن هذه ليست حالة فريدة، فهناك زيادة ملحوظة في عدد المرضى الذين يظهرون سلوكيات مشابهة، ويرتبط ذلك باضطراب الأكل المعروف باسم أورثوركسيا، وهو هوس بالأكل الصحي وممارسة الرياضة. كما أن الخوف الوجودي من الموت ليس جديدًا، إلا أن الاهتمام بإطالة العمر ولم يعد محصورًا في اتباع نظام صارم فحسب، بل ظهرت عيادات تقدم علاجات حيوية تعرف بـعيادات إطالة العمر، مما جعل الظاهرة أكثر انتشارًا بين فئة واسعة من الناس.
السوق العلاجي والانتشار الإعلامي
تعود أواخر التسعينيات وبدايات الألفية إلى خلفية البحث في إمكانات إطالة العمر باستخدام التلاعبات البيولوجية ونقل الدم، واليوم تنتشر فكرة تعديل البيولوجيا لإبطاء الشيخوخة في عيادات مختلفة، خاصة في قطاعات التغذية والعناية بالبشرة. وتقدر قيمة السوق العالمي للطب التكميلي والبديل لمكافحة الشيخوخة وإطالة العمر بملايين الدولارات، مع توقعات بأن يصل حجمه إلى مستويات أعلى بكثير خلال السنوات القادمة. لا تخفى الإغراءات الإعلامية التي تجذب مشاهير ونجوم إلى هذه العلاجات، حيث يُقال أحيانًا إن بعضهم يروّج لإجراءات مثل تنقية الدم أو حقن الببتيدات لتجديد البشرة.
الأسباب والعلاج والسبل المتاحة
ترى لينا موكيرجي أن نحو ثلاثة أرباع مرضاها يظهرون أعراض متلازمة هوس طول العمر، ورغم أنهم قد لا يخضعون لإجراءات قاسية، فإن قلقهم من طول العمر تزايد بشكل ملحوظ منذ جائحة كورونا، وهو يتحرك بين اليقظة المفرطة والنشاط المفرط، وغالبًا ما يصف هؤلاء أشخاص حاصلين على تعليم جامعي وتتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين عامًا، ويعتمدون بشكل كبير على الأجهزة لقياس مؤشراتهم الصحية ويواجهون صعوبات في الثقة بالحكم الذاتي، مع وجود دوافع قد تكون مستمدة من تجارب الطفولة. كما تلاحظ تقارير الخبراء وجود ما يُسمّى بمتلازمة البطل الخارق لدى من يحاولون التغلب على فقدان أو مرض، وهو شعور عميق بانعدام الأمان يدفع إلى سلوكيات قد تقود إلى الانفصال عن الحياة الطبيعية تدريجيًا.
يُعالج هذا الاضطراب عادة من خلال تعليم المرضى استعادة التناغم مع أجسادهم بشكل غريزي، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على البيانات، عبر نشاطات مثل اليوغا وتمارين التنفس والرياضة الممتعة وليس الإفراط في الحفاظ على الصحة. كما يساعد العلاج بالكلام على تقبل الموت وفهم قضايا أعمق وراء هذه الأفكار، بما يمهد الطريق للشفاء والعودة إلى حياة أكثر اتزانًا. في هذا السياق يؤكد الخبراء أن تحقيق التوازن مع الجسد وتغيير نمط التفكير يشكلان حجر الأساس في الاستشفاء من متلازمة طول العمر.



