يتطلب التعامل مع اضطرابات الطعام فهمًا عميقًا لتشابك العوامل النفسية والجسدية، حيث تتحول المشاعر المكبوتة إلى أنماط سلوكية تؤذي الجسد وتستهلك طاقته. من بين هذه الاضطرابات يبرز النهم المرضي كنمط شائع يتكرر فيه الإفراط في الأكل ثم الشعور بالذنب وربما محاولات لإفراغ ما أُكل بطرق غير صحية.
فهم الذات: الخطوة الأولى نحو التعافي
تتضمن مرحلة العلاج الأولى إدراك المريض لطبيعة مشاعره؛ فالكثير من حالات النهم ترتبط بمحاولة الهروب من التوتر والحزن والوحدة عبر الطعام. يلعب العلاج المعرفي السلوكي دورًا مركزيًا في مساعدة الشخص على رصد الأفكار التي تسبق نوبات الإفراط وتبديلها باستجابات أكثر وعيًا. يمنح الوعي باللحظة فرصة للسيطرة بدل الانغماس في السلوك التلقائي، وهو اللبنة الأولى لبناء علاقة صحية مع الطعام ومع الذات.
تجنب الأنماط القديمة: كسر الحلقة المفرغة
يواجه كثيرون صعوبة في الابتعاد عن العادات التي ارتبطت بالراحة النفسية، لذا يتم تدريب المريض على ملاحظة هذه الأنماط فور ظهورها والتعامل معها بدون اللجوء للطعام كآلية دفاع. قد يشمل ذلك تقنيات الاسترخاء أو المشي أو الحديث مع شخص داعم، مع استبدال السلوك التلقائي ببديل أكثر توازنًا.
الوعي بثقافة الحميات السامة
تواجه المصابات والمصابين باضطرابات الطعام تحديًا من ثقافة الحميات المنتشرة في الإعلام ومواقع التواصل التي تروّج للجمال من خلال النحافة. تتطلّب هذه الرسائل وعيًا نقديًا وتذكيرًا بأن الصحة تقاس بالراحة النفسية والتوازن الجسدي، كما يُشجع المحتوى الإيجابي الواقعي الذي يقبل الجسد كما هو بعيدًا عن المقارنات المرهقة.
خطة لمواجهة المثيرات اليومية
من الطبيعي أن تكون هناك محفزات تثير الاضطراب في المائدة أو أثناء الحديث عن الوزن مع الآخرين، لذا تعتبر خطة مسبقة لمواجهة هذه المواقف جزءًا أساسيًا من العلاج. تشمل الخطة ممارسة اليقظة الذهنية للتركيز على اللحظة الحالية دون أحكام، وتعلم مراقبة النفس والانتباه لإشارات الجوع والشبع والتعامل معها بوعي حقيقي، دون خوف أو إدمان.
التعبير عن المشاعر: كتابة وشفاء
يعتبر تدوين اليوميات أحد أكثر الأساليب فعالية في السيطرة على اضطرابات الأكل، فالكتابة تساعد على تفريغ التوتر وفهم الأسباب النفسية للسلوك الغذائي. يمكن تسجيل ما يشعر به الشخص قبل وبعد تناول الطعام أو كتابة مواقف أثارت قلقه. لا يلزم أن تكون الكتابة نصية فقط، فالصوت المسجل أو الحديث مع صديق مقرب يحقق الهدف نفسه.
العلاج الدوائي والدعم المتكامل
في بعض الحالات قد لا تكون المعالجة النفسية وحدها كافية، خاصة إذا رافقت الاضطرابات مشاعر اكتئاب أو قلق شديدين، عندها قد يوصي الطبيب بأدوية توازن المزاج وتحسين النوم مع مقاربة شاملة تدمج العلاج النفسي مع الدعم الطبي والاجتماعي. كما أن العلاج الجماعي والدعم الأسري يساهمان في استقرار الحالة وإحساس المريضة بأنها ليست وحيدة في رحلتها نحو التعافي.
إعادة بناء العلاقة مع الطعام
يركز العلاج على رؤية الطعام كصديق وليس كخصم، من خلال إعادة تنظيم الوجبات بشكل متوازن وتجنب الحرمان أو الإفراط. فلا يعد الطعام وسيلة للهروب من المشاعر، بل هو تغذية للجسد والعقل معًا، وتعلّم هذا التوازن هو مفتاح الشفاء الحقيقي من اضطرابات الأكل.



