تطوير أداة تقييم متقدمة لتوافق احتمالات الصرع بعد السكتة الدماغية
طور فريق بحثي دولي أداة تقييم متقدمة تعتمد على الفحص العصبي والتصوير الطبي لتحديد من هم أكثر عرضة للإصابة بالصرع بعد السكتة الدماغية الإقفارية، مع تصميم يرمي إلى أن تكون عملية وسهلة التطبيق في رعاية المرضى اليومية وتتيح تدخلًا مبكرًا يقلل من احتمالية النوبات العصبية المستقبلية.
فهم العلاقة بين السكتة والصرع
الصرع الذي يظهر بعد السكتة الدماغية يُعد من أكثر المضاعفات العصبية شيوعًا، ويحدث عادة بعد مرور أكثر من أسبوع على الحدث الدماغي الحاد. وتقدر الإحصاءات أن نحو 4% من المصابين بالسكتة يتعرضون له خلال عام واحد، وتزداد النسبة إلى 8% بعد خمس سنوات. ورغم تعدد الدراسات السابقة، فإن معظم النماذج التنبؤية لم تكن دقيقة بما يكفي لأنها تجاهلت المؤشرات البصرية المستخلصة من التصوير العصبي مثل حجم منطقة الاحتشاء أو وجود تحولات نزفية. وهنا جاءت الأداة الجديدة لتسد هذه الفجوة من خلال دمج المعلومات السريرية والتصويرية في نموذج واحد أكثر شمولًا وموضوعية.
كيف تم تطوير الأداة الجديدة
استند الفريق البحثي بقيادة الدكتور ويليام ليونغ إلى قاعدة بيانات موسعة شملت أكثر من 1400 مريض بالسكتة الدماغية الإقفارية لأول مرة، مع معلومات تفصيلية عن حالتهم العصبية ونتائج التصوير ونتائج العلاج، مع متابعة دقيقة امتدت لأكثر من خمس سنوات. من خلال التحليل الإحصائي حُددت ستة عوامل رئيسية ترتبط بشكل واضح بخطر الإصابة بالصرع بعد السكتة، وهي: كبر حجم منطقة الاحتشاء، وتورط القشرة الدماغية، ووجود نزيف ثانوي، وحدوث نوبات مبكرة خلال الأسبوع الأول، وإصابة الشريان الدماغي الأوسط، والعمر الأقل من 65 عامًا. وبناءً على هذه العوامل، طُوّر نموذج رياضي يمنح المريض درجة محددة تُترجم إلى احتمال تقريبي للإصابة بالصرع خلال عام واحد أو خمسة أعوام. على سبيل المثال، من يحصل على درجة مرتفعة (8 نقاط أو أكثر) يُعتبر ذا خطر مرتفع جدًا، حيث تصل احتمالية الإصابة إلى أكثر من 60% خلال العام الأول.
نتائج واعدة واختبار عالمي
لم يقتصر التقييم على مريضي الولايات المتحدة فحسب، بل اختبر النموذج في مجموعات مستقلة من هونغ كونغ واليابان شملت أكثر من 2500 شخص. جاءت النتائج متقاربة وتؤكد قدرة الأداة على التنبؤ بدقة عالية عبر فروقات عرقية وجغرافية. وحقّقت الأداة معامل دقة تجاوز 0.85، وهو مستوى عالٍ في الدراسات الإكلينيكية، ما يجعلها من أبرز أدوات التنبؤ الموثوقة في هذا المجال.
ما يميزها عن الأدوات السابقة
تتفوق الأداة الجديدة على النماذج القديمة لأنها تعتمد على مؤشرات يمكن قياسها موضوعيًا مثل حجم التلف الدماغي ووجود النزف المصاحب، كما أنها لا تتطلب تخطيطًا كهربائيًا للدماغ، فيسهل استخدامها في المستشفيات التي لا تتوافر فيها فحوص EEG المتقدمة. كما أن العمر الأصغر ظهر كعامل خطر، وهو ما يخالف التوقعات السابقة، ويرجع الباحثون ذلك إلى النشاط العصبي العالي والقدرة التجدّدية للدماغ في الأعمار الشابة مما قد يزيد من احتمال استثارة الخلايا العصبية بعد الإصابة.
الاستخدامات المحتملة والتطبيقات السريرية
بفضل هذه الأداة يمكن للأطباء تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى مراقبة دقيقة أو استخدام مبكر للأدوية المضادة للصرع. كما يفتح النتائج الباب أمام دراسات أوسع لدمج مؤشرات حيوية إضافية مثل أنماط تخطيط الدماغ أو التحاليل الجينية في المستقبل. وقد يشمل ذلك المرضى الذين يعانون من نوبة مبكرة ولديهم درجة عالية بدء العلاج الدوائي الوقائي قبل ظهور نوبات متكررة.
رؤية نقدية من الخبراء وآفاق البحث
وفي تحليل نقدي مصاحب، أشاد باحثون من جامعتين كبرى بالبساطة والوضوح اللتين تميّزان الأداة الجديدة معتبرين إياها خطوة حقيقية نحو تحويل البيانات العصبية إلى قرارات طبية أكثر وعيًا. كما أشاروا إلى ضرورة متابعة التأثيرات الجانبية المحتملة لبعض العوامل مثل النزيف الثانوي بعد علاجات إذابة الجلطات، مؤكدين أن الفهم المتكامل للمخاطر بما فيها ارتفاع ضغط الدم أو اضطرابات سكر الدم يجب أن يكون جزءًا من خطة الرعاية الشاملة.
آفاق البحث المستقبلية
رغم نجاح الأداة في إثبات دقتها، توجد قيود منها اختلاف بروتوكولات علاج السكتة بين الدول وعدم كفاية حجم العينات لبعض فئات المرضى الأصغر سنًا. كما أشار الباحثون إلى ضرورة استكمال الأبحاث حول العوامل الوراثية أو البيئية التي قد تسهم في رفع احتمالية الإصابة بنوبات لاحقة بعد السكتة. وتبقى الأداة خطوة كبيرة نحو تطبيق الطب الدقيق في طب الأعصاب، إذ تجمع بين سهولة الاستخدام ودقة التنبؤ وتتيح تخصيص الرعاية لكل مريض وفق حالته الفردية.



