طور فريق بحثي دولي أداة تقييم متقدمة تعتمد على الفحص العصبي والتصوير الطبي لتحديد من هم أكثر عرضة للإصابة بالصرع بعد السكتة الدماغية، وتهدف إلى تمكين التدخل المبكر وتقليل الأخطار المستقبلية.
فهم العلاقة بين السكتة والصرع
الصرع الناتج عن السكتة الدماغية يعد من أكثر المضاعفات العصبية شيوعاً، ويحدث غالباً بعد مرور أكثر من أسبوع من الحدث الحاد. تشير الإحصاءات إلى أن نحو أربعة في المئة من المصابين بالسكتة يتعرضون لنوبة صرع خلال عام واحد، وتزداد النسبة إلى نحو ثمانية في المئة خلال خمس سنوات.
كيف تم تطوير الأداة الجديدة؟
اعتمد الفريق بقيادة دكتور ويليام ليونغ من مستشفى ماساتشوستس العام وجامعة هارفارد قاعدة بيانات كبيرة شملت مريضي سكتة دماغية إقفارية بشكل تفصيلي، مع متابعة تمت لأكثر من خمس سنوات. جُمعت معطيات عن الحالة العصبية ونوع العلاجات ونتائج الفحوص التصويرية، ثم حُدِّدت ستة عوامل ربطها وجودياً بخطر الصرع: حجم منطقة الاحتشاء، تورط القشرة الدماغية، وجود نزف ثانوي، حدوث نوبات مبكرة خلال الأسبوع الأول، إصابة الشريان الدماغي الأوسط، والعمر الأقل من 65 عاماً. وعلى أساس هذه العوامل طُوّر نموذج رياضي يمنح المريض درجة يمكن ترجمتها إلى احتمال الإصابة بالصرع خلال عام أو خلال خمس سنوات. على سبيل المثال، الدرجة المرتفعة تعني مخاطر عالية جداً قد تصل احتمالية الصرع فيها إلى أكثر من ستين بالمئة في العام الأول.
نتائج واختبار عالمي
لم تختبر الأداة فقط على مرضى في الولايات المتحدة، بل جرى اختبارها في مجموعات مستقلة من شرق آسيا، بما فيها هونغ كونغ واليابان، شملت أكثر من ثلاثة آلاف شخص. أظهرت النتائج تقارُباً في الأداء يؤكد صحة التنبؤ الزمني بغض النظر عن الخلفيات العرقية أو الجغرافية. بلغ معامل الدقة لأداة التنبؤ أكثر من 0.85، وهو مستوى مرتفع يجعلها ضمن أكثر أدوات التنبؤ موثوقية في هذا المجال.
ما يميزها عن الأدوات السابقة
تتفوق الأداة لأنها تعتمد مؤشرات قابلة للقياس موضوعياً مثل حجم تلف الدماغ ووجود النزف المصاحب، ولا تحتاج إلى تسجيل كهربائي للدماغ، ما يسهل استخدامها في المستشفيات التي لا تمتلك تخطيط الدماغ الكهربائي. كما أن العمر الأصغر ظهر كعامل خطر، وهو ما يختلف عن بعض التوقعات السابقة، ويُفسر بأن شباب الدماغ قد يكون أكثر نشاطاً وتجدّداً، مما قد يعزز احتمال استثارة الخلايا العصبية بعد الإصابة.
الاستخدامات المحتملة للأداة
يمكن للأطباء اعتماداً على هذه الأداة تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى مراقبة دقيقة أو بدء علاج وقائي مضاد للصرع مبكراً قبل تكرار النوبات. كما تفتح النتائج باباً أمام دراسات أوسع لإضافة مؤشرات حيوية مستقبلية مثل أنماط تخطيط الدماغ أو تحليل جيني في المستقبل، لتقوية التنبؤ. المرضى الذين يعانون من نوبة مبكرة ولديهم درجة عالية في المقياس قد يستفيدون من اتخاذ القرار المبكر بالعلاج الدوائي الوقائي وفق تقييم المخاطر.
رؤية نقدية من الخبراء
في افتتاحية تحليلية، أشاد باحثون من جامعات عريقة بالبساطة والشفافية التي تتميز بها الأداة، معتبرين أنها خطوة قوية نحو تحويل البيانات العصبية إلى قرارات طبية أكثر وعيًا. كما نبهوا إلى ضرورة متابعة التأثيرات الجانبية المحتملة لبعض العوامل المصاحبة، مثل النزيف الثانوي بعد علاجات تذويب الجلطات، وضرورة مراعاة مخاطر ارتفاع ضغط الدم واضطرابات سكر الدم كجزء من النهج الشامل للرعاية. هذه الملاحظات تدعو إلى إدماج الأداة ضمن خطة رعاية متكاملة لكل مريض سكتة دماغية.
آفاق البحث المستقبلية
إلى جانب النجاح في إثبات الدقة، يعترف الباحثون بوجود قيود مثل اختلاف بروتوكولات علاج السكتة بين الدول وأحياناً قلة أحجام العينات في فئات محدودة كالمصابين الأصغر سنّاً، كما تشير الحاجة لاستكمال البحث بشأن العوامل الوراثية والبيئية التي قد تزيد من احتمال النوبات بعد السكتة. مع ذلك، تمثل الأداة خطوة كبيرة نحو تطبيق الطب الدقيق في طب الأعصاب عبر مزج سهولة الاستخدام مع دقة التنبؤ، ما يمنح الأطباء أداة جديدة لتخصيص الرعاية بناءً على خصائص كل مريض.



