تتربع على قمة أسباب الوفاة حول العالم، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف خيوطًا دقيقة جديدة تقود إلى فهم أعمق لعوامل الخطر التي لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي من قبل. أحد هذه العوامل هو البروتين الدهني (أ)، وهو جزيء معقد يشبه الكوليسترول الضار في تركيبه، ولكنه يتميز بخاصية تجعل ارتفاع مستواه في الدم خطرًا خفيًا يتراكم ببطء حتى يتحول إلى تهديد حقيقي للقلب والشرايين.
يُصنَّف البروتين الدهني (أ)، أو Lp(a)، ضمن مجموعة البروتينات الحاملة للدهون التي تنقل الكوليسترول في الدم، ولكن الفارق الأساسي أنه يعتمد إلى حد كبير على العوامل الوراثية، فالحياة اليومية وحدها لا تكفي لتغييره.
ارتفاع هذا البروتين يؤدي إلى تراكم الدهون داخل جدران الشرايين، مما يضيقها بمرور الوقت ويرفع احتمالات الإصابة بتصلب الشرايين وأمراض الشرايين التاجية.
تفاصيل الدراسة وأهم ما توصلت إليه
أُجريت الدراسة ضمن إطار “دراسة صحة المرأة” وشملت نحو 28 ألف امرأة كنّ متابعات منذ أوائل التسعينيات وحتى الوقت الحالي، وكن في بدء الدراسة بصحة جيدة. تم تحليل عينات الدم لقياس مستويات البروتين الدهني (أ)، ثم تابعت حالات الإصابة باضطرابات القلب على مدى ما يقارب ثلاثة عقود.
كشفت النتائج أن النساء اللواتي تجاوزت مستويات البروتين الدهني (أ) لديهن 120 ملغم/ديسيلتر كن أكثر عرضة بنسبة 50% إلى 100% للإصابة بمضاعفات قلبية خطيرة مقارنة بالنساء ذوات المستويات المنخفضة. أما من تراوحت مستوياتهن بين 30 و120 ملغم/ديسيلتر فقد لم تُظهر النتائج زيادة واضحة في الخطر، مما يشير إلى وجود حدّ حرج يبدأ عند تجاوزه تأثير هذا البروتين بوضوح.
العلاقة بين البروتين الدهني (أ) وأمراض القلب المختلفة
لاحظ الباحثون أن ارتفاع البروتين لم يكن مقتصرًا على نوع واحد من أمراض القلب، بل شمل احتشاء عضلة القلب، والسكتة الدماغية الإقفارية، والوفاة القلبية المفاجئة. وأشار الدكتور آسك تي. نوردستجارد، إلى أن النتائج فاقت التوقعات من حيث قوة الرابط بين ارتفاع البروتين وحدوث هذه المشكلات، مؤكدًا أن “المستويات العالية جدًا من Lp(a) يمكن أن تكون جرس إنذار مبكر للنساء المعرضات للخطر”.
هل يجب أن يخضع الجميع للفحص؟
مع قوة النتائج، حذر الباحثون من تعميم الفحص على جميع السكان، مؤكدين أن فحص البروتين الدهني (أ) بشكل روتيني قد لا يغيّر التقييم العام لمخاطر القلب عند معظم الناس، فسبب الخطر في غالبية الأفراد غير مرتفع. لكن الاختبار يصبح مهمًا في حالات محددة، مثل وجود تاريخ عائلي قوي لأمراض القلب في سن مبكرة، أو لدى النساء اللواتي يعانين من ارتفاع الكوليسترول رغم أسلوب حياة صحي وأدوية منتظمة، إذ قد يكون البروتين (أ) العامل الخفي وراء استمرار المشكلة.
آراء الخبراء وأهمية الاكتشاف المبكر
قال الدكتور ستيفن نيسن، أستاذ أمراض القلب، إن النتائج “تعيد تسليط الضوء على عامل خطر قديم لم يُعطَ حقه من الدراسة” وتؤكد ضرورة إدراجه ضمن تقييمات المخاطر الدورية خاصة لدى النساء الأصغر سنًا. وأضاف أن البروتين قد يفسر جزءًا من الفجوة بين النساء والرجال في نسب الإصابة، حيث تميل النساء إلى امتلاك مستويات أعلى نسبياً دون ظهور الأعراض إلا بعد فترات طويلة.
مستقبل العلاج والتدخل الوقائي
حتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة لخفض البروتين الدهني (أ) تحديدًا، لكن الأبحاث تتجه نحو تطوير علاجات تستهدفه مباشرة عبر العلاج الجيني أو تقنيات تقليل تصنيع البروتين في الكبد. في الوقت الراهن، يوصى الخبراء بالتحكم في عوامل الخطر الأخرى مثل ضغط الدم، والكوليسترول الضار، والوزن، والامتناع عن التدخين، فذلك يساهم في تقليل الأضرار التراكمية التي يسببها ارتفاع البروتين (أ).



