تؤكد الأدلة العلمية المتراكمة من مراجعات سريرية أن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام تقلل بشكل ملموس من أعراض الاكتئاب لدى البالغين، بل قد تعادل فاعليتها بعض العلاجات النفسية أو الأدوية المضادة للاكتئاب.
وتبيّن مراجعة شملت نحو 70 تجربة سريرية أن النشاطات البدنية المنظمة مثل المشي أو الجري الخفيف أو التدريب المختلط بين المقاومة واللياقة تقلل من درجات الاكتئاب مقارنة بمن لم يمارسوا نشاطاً.
وليس نوع التمرين هو الأساس، بل الاستمرارية والاعتدال. فقد ظهرت نتائج أن الأنشطة متوسطة الشدة مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة الخفيفة كانت أكثر فاعلية من التمارين العنيفة أو المتقطعة، خاصة إذا مارست بين 15 و30 جلسة خلال فترة العلاج.
مقارنة الأداء: التمارين مقابل الأدوية والعلاج النفسي
عند مقارنة تأثير التمارين بالعلاج النفسي التقليدي، يظهر أن الفارق في تقليل الأعراض ضئيل أو معدوم، وأظهرت بعض التجارب أن المرضى الذين مارسوا الرياضة شهدوا تحسين النوم والطاقة والتركيز أكثر من أولئك الذين تلقوا دواءً فقط.
ومن ناحية الآثار الجانبية، ترتبط الأدوية غالباً بمضاعفات مثل الإرهاق ومشكلات المعدة أو ضعف الرغبة الجنسية، بينما لا تترك التمارين آثاراً جانبية تذكر، مما يجعل النشاط البدني خياراً آمناً ومتاحاً للمرضى الذين يبحثون عن بدائل خالية من الأدوية.
عبء عالمي يتطلب حلولاً مختلفة
يعد الاكتئاب أحد أبرز أسباب الإعاقة النفسية في العالم، ويؤثر على أكثر من 280 مليون شخص. ورغم توافر العلاجات الطبية، يواجه كثيرون صعوبات في الحصول على الدعم النفسي أو المواظبة على الدواء. من هنا تأتي أهمية الرياضة، فهي لا تحتاج وصفة ولا موارد مكلفة، وتُعد وسيلة لتعزيز الصحة العامة إلى جانب تأثيرها الإيجابي على المزاج.
لماذا تعمل التمارين؟
يفسر الأطباء تأثير التمارين عبر آليات متعددة، منها تحفيز إفراز الإندورفين والسيروتونين، وهما هرمونا السعادة Naturalان اللذان يحسّنان المزاج ويقللان التوتر. كما تعمل على تحسين جودة النوم وتنشيط الدورة الدموية والدماغ مما يرفع كفاءة التفكير والتركيز. إضافة إلى ذلك، يعزز الإحساس بالإنجاز والسيطرة على الحالة النفسية، فلا يشعر المريض بأنه مجرد متلقٍ للوضع بل بأنه قادر على التأثير فيه.
التحدي الحقيقي: الاستمرارية
يحذّر الباحثون من أن الفوائد تتراجع مع التوقف عن ممارسة النشاط، لذلك يُنصح بوضع خطة طويلة الأمد تتناسب مع نمط حياة المريض. وتظهر الأبحاث أن البرامج المنظمة بإشراف مختصين تحقق نتائج أفضل من المحاولات الفردية لأنها توفر دعمًا وتحفيزًا واستمرارية. كما توصي المراجعة بأن يُدمج النشاط البدني داخل الخطط العلاجية الرسمية للاكتئاب، إلى جانب الأدوية أو جلسات العلاج النفسي حسب حالة كل مريض.
رؤية الأطباء والباحثين: يؤكد بعض الخبراء أن هذه النتائج تدعم إدماج التمارين في بروتوكولات العلاج النفسي كخيار قائم على الدليل، مع ضرورة تكييفها مع احتياجات كل مريض، بينما يشير آخرون إلى ضرورة إجراء دراسات أوسع لتحديد مدى استمرار الفائدة بعد التوقف عن التمرين.
ما الذي يمكن تعلمه من هذه النتائج؟
تفتح هذه البيانات باباً لتغيير مفهوم العلاج النفسي، فالحل ليس محصوراً في الحبوب أو الجلسات فحسب، بل قد يبدأ بخطوة بسيطة مثل تمشية عادية أو جولة بالدراجة. وعلى الرغم من أن التمارين ليست الحل الوحيد، فهي خيار فعال وآمن يساهم في تحسين نوعية حياة ملايين المصابين بالاكتئاب حول العالم.



