أطلق فريق بحثي من معهد فرانسيس كريك في لندن نموذجاً مصغّراً للرئة البشرية يُعرف باسم “الرئة على شريحة” وقد بُنی باستخدام خلايا جذعية بشرية مأخوذة من شخص واحد فقط. يمكن لهذا النظام أن يتنفس، ويتفاعل، ويستجيب للعدوى كما تفعل الرئة الحقيقية.
يهدف الابتكار إلى كشف أسرار المراحل المبكرة من الأمراض التنفسية، مثل السل، وفهم اختلاف استجابة كل إنسان للعدوى والعلاج بشكل فردي غير مسبوق.
اعتمدت الدراسة على خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات مأخوذة من شخص واحد، ما يجعل الخلايا مطابقة وراثياً وتتيح للعلماء متابعة تفاعل خلايا الرئة والمناعة لدى الفرد نفسه مع العدوى بعيداً عن تأثير الاختلافات الجينية التي تربك التجارب التقليدية.
كيف تعمل الرئة على شريحة
تعتمد التقنية على محاكاة الحويصلات الهوائية، الوحدات الدقيقة المسؤولة عن تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون داخل الرئة. استخدم الباحثون خلايا طلائية سنخية من النوعين الأول والثاني، إضافة إلى خلايا بطانية وعائية تشكل الحاجز الفاصل بين الهواء والدم.
زُرعت هذه الخلايا على طبقتين متقابلتين من غشاء فائق الرقة داخل جهاز دقيق يحاكي التركيب الفسيولوجي للرئة البشرية. ولم يقتصر الأمر على البنية؛ إذ أضيفت قوة تمدد وانقباض ثلاثية الأبعاد تُطبق بإيقاع منتظم لمحاكاة التنفس، مما حفز الخلايا على تكوين نتوءات مجهرية تعرف بـ”ميكروفيللي” تزيد من مساحة السطح وتحسن وظيفة الرئة.
بهذه الطريقة، تحولت الشريحة إلى «نظام حي» قادر على التنفّس والتفاعل تماماً كما الرئة داخل الجسم.
محاكاة العدوى وتفاعل المناعة
لأجل فهم بدايات العدوى، أُضيفت إلى الشريحة خلايا مناعية بلعمية مستمدة من الخلايا الجذعية ذاتها، لتكون خط الدفاع الأول ضد البكتيريا.
عند تعريض الرئة المصغّرة لبكتيريا المتفطرة السلية، تشكلت خلال خمسة أيام مجموعات من البلعمات بدأت تهاجم العدوى، وتكوّنت ما يشبه الحبيبات الدموية (Granulomas) التي تضم خلايا ميتة في الوسط محاطة بخلايا حيّة تقاوم العدوى. وهذا المشهد يميّز المراحل الأولى من إصابة الرئة بالسل عند الإنسان، كما يوضح فترة «الصمت» التي تسبق ظهور الأعراض وتظل غير قابلة للرصد في نماذج حيوانية أو بشرية تقليدية.
نموذج يخاطب الطب الشخصي وآفاقه
تكمن أهمية الابتكار في إمكان تصميم رئة مصغّرة من خلايا مريض محدد لدراسة التفاعل الجيني والمناعي تجاه العدوى أو العلاجات. وأشار أحد الباحثين إلى إمكان تعديل جين يُعرف بـ ATG14 المسؤول عن التخلص من الخلايا التالفة، فبعد إزالة هذا الجين من الخلايا أصبحت البلعمات أكثر عرضةً للموت المبكر وأكثر شراهة لابتلاع البكتيريا، ما يؤكد دور الجين في صمود الجهاز المناعي أمام العدوى.
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام تحديد المرضى الأكثر عرضة لتطور سريع لمرض السل ووضع بروتوكولات علاجية مخصّصة لهم، كما يعد بديلاً أخلاقياً بالتجارب الحيوانية التي تختلف بيولوجياً عن الإنسان. كما تفتح التقنية آفاق تتجاوز مرض السل لتشمل أمراض أخرى مثل الالتهاب الرئوي الفيروسي وسرطان الرئة والتليف الرئوي، وتتيح اختبار كيفية تفاعل المرضى ذوي الطفرات الجينية مع العلاجات المستهدفة. ويأمل الباحثون في دمج الهندسة الحيوية مع الذكاء الاصطناعي في تحليل نتائج الشرائح للوصول إلى مفهوم “رئة رقمية” يمكن أن تتنبأ بتطور المرض واستجابة المريض قبل بدء العلاج.



